السّياسة المالية في حكومة أمير المؤمنين (ع)

  • 27-05-2019, 16:03
  • آراء
  • 325 مشاهدة
محمّد صادق الهاشميّ

ابابيل نيوز/متابعة...
إنّ خلافةَ عليّ (ع) وإنْ كانت لفترةٍ قصيرةٍ، لكنّها جاءتْ بعد عهدٍ كانت سياسته في توزيع الثّروة قائمةً على أسس ثلاثةٍ :
(الأوّل): أنّ الحاكم لم يكن مقيّداً بالصّرف على شخصه بقيودٍ ، بل كانت يدُه مطلقةَ العنانِ في ذلك، فلا يرى أنّ هناك شرعاً يحددُ له ذلك .

(الثّاني): أنّ نفقاتِ الحاكم على أقاربه وغيرهم - وما يسمّيه اليوم سياسيّونا بـ «المنافع الإجتماعية» - لا قانون يحددها ، فله أنْ يهبَ من أموال الدّولة لأيٍّ منهم ما يشاءُ، فأعطى عثمانُ لأقاربه أموالاً طائلة فوق حدّ التّصوّر ، وكُتبُ التّاريخ زاخرة ٌبذكر تفاصيلها .

(الثّالث): التّمايز في توزيع الثّروة على أساسٍ عرقيّ ، ففـي زمن عمر بن الخطاب حيث كثر المال باتساع رقعة الدّولة الإسلاميّة ، فاجتهد فيه برأيه ، فرأى أنّه لا يصحّ أنْ يكـون المسلمون سواسيةً في استحقاق المال، لذا صنّف النّاس إلـى درجات في العطاء على أساس العربي وغير العربيّ ، وعلى أساس السّبق في الإسلام وغيره .

ثمّ لمّا وصل عثمانُ إلـى الحكمِ استمرَّ فـي انتهاج سياسة عمر فـي العطاء.
وأضاف لها : أنّه يُعطى أقاربُ الحاكم أضعافَ ما يُعطى لغيرهم ، وبموجب هذه السياسة سيطر أرحامُه «بنو معيط» على معظم مقدّرات الدّولة من المال والمناصب.

وهذا الفساد هو الذي بلغ في الدّولة الإسلاميّة حدّاً أثار المسلمين في كلّ الأقطار لقتل عثمان .

فلمّا جاءَ عليٌّ (ع) إلى الخلافةِ وجدَ هذا الفسادَ المالي مستشرياً في نواحي الأمّة، ضارباً في أعماقِها، فأرادَ أنْ يعيدَ الموازين الإسلاميّة الحقّة إلى المجتمع الإسلاميّ، فبدأ بالإصلاح على كلّ المستويات الثّلاثة :
(أمّا على المستوى الأوّل): فامتنع أنْ يأخذَ شيئاً من ميزانيّة الدّولة إلّا بمقدار ما اضطر إليه، فاكتفى بالقرص ولم يأخذْ حتّى استحقاقاته باعتباره رئيساً للدّولة، وكان من حقّه ذلك، ولو فعل لما كان متجاوزاً للشّرع المقدّس ، ولقد كان ينزّه نفسه حتّى عن هذا الحلال فأقسم بقوله: «لأروضَنّ نفسي رياضةً تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً»، وهو القادر على أنْ يأخذ راتباً مجزياً باعتبار أنّه يقدّم خدمة ، فيقول : نعم: «... ولو شئتُ لاهتديتُ الطّريق إلى مصفّى هذا العسل، ولبابِِ هذا القَمحِ، ونسائجِ هذا القزّ، ولكنْ هَيهات أنْ يغلبني هواي، ويقودُني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لاطمع له في القرص، ولاعهد له بالشّبع، أأبيتُ مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى...».
وقال : «... ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه،...فو الله ما كنزتُ من دنياكم تبراً، و لا ادّخرتُ من غنائِمها وفراً، ولا أعددت لبالى ثوبى طمراً،ولا حزتُ من أرضها شبراً».

(وأمّا على المستوى الثّاني): فقد وقف أميرُ المؤمنين (ع) وقفةً شديدةً في منع أهل بيته وأقاربه من أنْ ينالو ا شيئاً ولو كان بسيطاً، وحديث أخيه وشقيقه عقيل شاهدٌ على نزاهته (ع) المالية ، مع أنّ القارئ يجدُ أنّ عقيلاً لم يطلبْ ملك مصر ، ولا قصراً من قصور صدام في بغداد، ولا فيلا في لبنان،  بل الذي طلبه صاعاً من الحنطة ، والصّاع : 3 كغم ، أي ما يعادل بسعر اليوم (1500) دينار عراقيّ، وهو مستحقّ إذْ يصفه الامام ع بالإملاق، وهو شدّة الفقر، ولكنّه أخذ استحقاقه التامّ ولم يجدْ له عليّ شيئاً فائضاً.
فسجّلها عليّ (ع) للتّاريخ بقوله : «... واللهِ، لقد رأيتُ عقيلاً، وقد أملق حتّى استماحني من برّكم صاعاً... فأحميتُ له حديدةً، ثمّ أدنيتُها من جسمه ليعتبربها...فقلت له: ثكلتك الثّواكل...تجرّني إلى نارٍ سجّرها جبارُها لغضبه؟، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟».

ولم ينقل لنا التّاريخ أنّه أعطى للحسن أو الحسين أو ابنته زينب (عليهم سلام الله) شيئاً ، ولم يسجّل باسمائهم عقاراً من عقارات الدّولة أو غيرها.
وحاول عليّ (ع) جاهداً مصمماً على استرجاع كلّ الأموال والأُعطيات التي مُنحت بلا حقّ شرعيّ، وكانت هذه أكبر معضلةٍ واجهته، فَقَدَ عليّ (ع) على إثرها كثيراً ممّن كان مثرياً بهذه الطّريقة ، وتكاثرت بهذا أعداؤه، إذْ أصدرَ من أوّل أيّام حكومته قراره بذلك بقوله : «... ألا إنّ كلّ قطيعةٍ أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شئٌ، ولو وجدته قد تُزوّج به النّساء، وفُرّقَ في البلدان لرددته إلى حاله، فأنّ في العدلِ سعةً، ومَنْ ضَاق عليه الحقُّ فالجورُ عليه أضيقُ».

(وأمّا على المستوى الثّالث): فلم يجدْ عليّ (ع) نصّاً شرعيّاً من قرآنٍ أو سنّةٍ يعتمد عليه في تميّز المسلمين في العطاء على أساس أعراقهم أو ألوانهم ، فساوى في العطاء بين العربي وغيره، وكان هذا السّلوك العلوي النّبويّ من أخطر القرارات الثّورية ؛ لأنّه كان يعدّ إنقلاباً إجتماعياً غريباً ، إذْ بعد ما تربّت الأمّة تربيةً جاهليةً قائمةً على التّفاضل ، وتمييز العربي على غيره ، مدّة طويلة، وغابت القيم والموازين والضّوابط الإسلامية فمن الصّعب أنْ تعود إليها بهذه البساطة
قال أمير المؤمنين (ع) لمن يرون لأنفسهم الفضل بأنّهم الذين نصروا رسول الله (ص) ، وأنّهم عربٌ أقحاحٌ قال: «.. ألا ، لا يقولنّ رجالٌ ... : حرمنا ابنُ أبي طالب حقوقنا، ألا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (ص) يرى أنّ الفضل له على من سواه لصحبةٍ فإنّ الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله».

وقال (ع) : «وأيّما رجل استجاب لله وللرّسول، فَصَدّق ملّتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوقَ الأسلام وحدوده، فأنتم عبادُ الله، والمالُ مال الله، يقسّم بينكم بالسّوية، لا فضل فيه لأحدٍ على أحدٍ... وإذا كان غداً - إنْ شاء الله - فاغدوا علينا، فإنّ عندنا مالاً نقسمه فيكم، ولا يتخلّفنّ أحدٌ منكم عربيّ ولا عجميّ...».

هذه هي – باختصارٍ شديدٍ – سياسةُ أمير المؤمنين (ع) في توزيع ثروة البلاد على العباد، نتمنّى من كلّ الأخوة الذين ابتلاهم وامتحنهم الله إذْ وضع مقدّرات الشّعب بين أيديهم أنْ يقرأوا ويتّعظوا بعليّ (ع) ، ويتّقوا الله في شعبهم ، وأنْ لا يعثوا في الأرض فساداً، فيرفعون عليَّاً شعاراً، وعثمان ومعاوية تطبيقاً.

والرّسالة التي أوجّهها إلى من يهمّه الأمرُ - بمناسبةِ شهادةِ أمير المؤمنين (ع) ، ونحن نستذكر سياسته المالية - هي قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود : 85].

استطلاع رأي

ما رأيك بأداء حكومة الكاظمي؟

جميع الحقوق محفوظة © 2018 IT Group